علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

80

ثمرات الأوراق

قال أبو بكر : فركبت وسرت فطرقت منزله ، فنزل إليّ فقال لي مثل لفظ كافور ، فأضربت عن الجواب ، وقرأت « طه » ، ثم قلت له ما قال لي كافور ، فبكى وقال لي : أين ما حملت ؟ فأخرجت الصّرّة ، فأخذها ، وقال : علّمنا الأستاذ كيف التّصوّف ! قلت له : أحسن اللّه جزاءك ! ثم عدت إليه ، فأخبرته بذلك ، فسرّ وسجد شكرا للّه تعالى ، وقال : الحمد للّه على ذلك . ونقل ابن خلّكان في تاريخه ، أنّ أبا عبد اللّه محمّد بن الأعرابيّ كان يزعم أن الأصمعيّ وأبا عبيدة لا يحسنان شيئا ، وكان يقول : جائز في كلام العرب أن يعاقب بين الضّاد والظاء ، فلا يخطئ من يجعل هذا في موضع هذا ، وينشد : إلى اللّه أشكو من خليل أودّه * ثلاث خصال كلّها لي غائض « 1 » ويقول : هكذا سمعته بالضاد . * * * ومن النوادر اللطيفة ورد أبو نصر الفارابيّ إلى دمشق على سيف الدّولة بن حمدان - وهو إذ ذاك سلطانها - قيل : إنّه لمّا دخل عليه وهو بزيّ الأتراك ، وكان ذلك زيّه دائما ، وقف ، فقال له سيف الدّولة : اجلس ، فقال : حيث أنا أو حيث أنت ؟ فقال : حيث أنت ، فتخطّى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة ، وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدّولة مماليك ، وله معهم لسان خاصّ يسارّهم به ، فقال لهم بذلك اللّسان : إنّ هذا الشيخ قد أساء الأدب ، وإنّي مسائله عن أشياء إن لم يعرفها فأخرجوا به . فقال له أبو نصر بذلك اللّسان : أيّها الأمير : اصبر فإنّ الأمور بعواقبها . فعجب سيف الدّولة منه ، وعظم عنده ، ثم أخذ يتكلّم مع العلماء الحاضرين في كلّ فنّ ، فلم يزل كلامه يعلو ، وكلامهم يسفل حتى صمت الكلّ ، وبقي يتكلّم وحده ، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله ، فصرفهم سيف الدّولة وخلا به ، فقال له : هل لك في أن تأكل ؟ قال لا : قال : فهل لك في أن تشرب ؟ قال : لا . فقال : هل تسمع ؟ قال : نعم . فأمر سيف الدّولة بإحضار القيان ، فحضر كلّ ماهر في الصّنعة بأنواع الملاهي فخطّأ الجميع ، فقال له سيف الدّولة : وهل تحسن هذه الصنعة ؟ قال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة « 2 » ففتحها ، فأخرج منها عيدانا وركّبها ، ثم لعب بها ، فضحك كلّ

--> ( 1 ) البيت في اللسان ( غاض ) من غير نسبة وروايته : « ثلاث خلال » . ( 2 ) الخريطة ، مثل الكيس وتصنع من الخرق ، وتشد على ما فيها بالعرا .